الحيـــــاة الابديـــــة

قرداغ مجيد كندلان

 الرب يسوع المسيح وضح لنا بداية الطريق الكَرِب المؤدي الى الحياة الابدية وكيف يبدأ بابا ضيقا ينحشر فيه الانسان الراغب في الخلاص . ونقل لنا الانجيلي متى ما تعلمه من معلمه رب المجد عن وسيلة الحصول على الملكوت ومتى ينفتح بابه عندما قال المسيح للتلاميذ :"أدخلوا من الباب الضيق . فإن الباب رَحب والطريق المؤدي الى الهلاك واسع ، والذين يسلكونه كثيرون . ما أضيق الباب وأحرَجَ الطريق المؤدي الى الحياة ، والذين يهتدون إليه قليلون ." (متى7: 13و14 ) . الرب يسوع المسيح كشف لنا لماذا الاجتهاد وتحمل المعاناة والصعاب للدخول من الباب الضيق الذي يعتبر أخطر تعليم قدمه المسيح للذين يتبعونه من كل قلوبهم ، لانه واسع الباب الذي يؤدي الى الهلاك . فاختيار الباب الضيق يحتاج منا اختيار الاصعب ، وهذا مبدأ الطريق وبابه المؤدي الى الحياة السعيدة في ملكوت المسيح الذي كشف لنا سر الصليب منذ الدخول من الباب ، فالضيق والاضطهاد الذي يقع على الانسان من الارهاب وجحود العالم وتجربة الشيطان بالمرصاد يعتبر بابا ضيقا مرسوما عليه الصليب والكأس، ومكتوب على العتبة آية النجاة :" صلوا لكي لاتدخلوا في تجربة " . إن الباب الضيق يبدأ من هنا وفي وسط أعمالنا ومشاغلنا ، وهو باب يفتح على طريق سري خلف العالم ولا يدري العالم من أمره شيئا . وتعليم رب المجد واضح للوصول الى النهاية السعيدة  حيث اعطانا احكاما بموجبها نقرر حياتنا عندما قال:" ليس من يقول لي < يارب يارب > يدخل ملكوت السموات ، بل من يعمل بمشيئة أبي الذي في السموات . فسوف يقول لي كثير من الناس في ذلك اليوم : يارب يارب ، أما باسمك تنبأنا ؟ وباسمك طردنا الشياطين ؟ وباسمك أتينا بالمعجزات الكثيـرة ؟ فأقول لهم علانيـة : ما عرفتكم قط . إليكم عني أيها الأثمة ! " ( متى 7: 21-23 ) ، هنا تعليم يجب ان نطبقه في حياتنا لكي يكون لنا نصيب في ملكوت المسيح حيث الاكتفاء بالصلاة بالاقوال دون الاعمال والايمان لن ندخل الملكوت ، أما عندما تدخل حياتنا في الصلاة مع حيز العمل بوصايا المسيح فيكون نصيبنا السموات . اي عندما نصبوا الى ملكوت السموات يجب ان تكون لنا حياة انجيلية صادقة وعشرة مع المسيح تشهد اعمالنا واقوالنا ، وحياة حقيقية مع المسيح عازفة عن المال والمجد الزائف . اما الذي يمارس الخطايا بلا تأنيب ضمير ، وخلت حياته من الرحمة وعمل المحبة والبذل واكتفى بالمظاهر واستخدام اسم المسيح بمهارة فعمل به المعجزات وأتقن الصلوات المحفوظة في مواعيدها ، ولكن لم يعمل بوصية المسيح من جهة الاعمال التي بحسب إرادة الاب السماوي من جهة الرحمة والمحبة والبذل ، فأنه لايستحق الملكوت . ويوحنا الانجيلي صور لنا الحياة الابدية من خلال الصوت السمائي :" وسمعت صوتا جهيرا من العرش يقول : هوذا مسكن الله مع الناس ، فسيسكن معهم وهم سيكونون شعوبه وهو سيكون الله معهم . وسيمسح كل دمعة من عيونهم . وللموت لن يبقى وجود بعد الان ، ولا للحزن ولا للصراخ ولا للالم لن يبقى وجود بعد الان ، لان العالم القديم قد زال .( رؤيا يوحنا 21: 3و4 ) ، اذا الحياة الابدية هي " مسكن الله مع الناس" نعم الله ينتظر ان يستريح بالسكنى معنا ، انه الوجود في حضرة العريس السماوي واللقاء الدائم معه ، إذ يقول القديس أغسطينوس:" الانسان الروحاني في الكنيسة هو السماء ... الكنيسة هي السماء ... والسماء هي الكنيسة "، كما يقول العلامة ترتليان:" ان الله يمسح كل دمعة سكبتها العيون قبلا، إذ ماكان لها ان تجف مالم تمسحها الرأفة الالهية . طوبى لاصحاب العيون الباكية، لان الله بنفسه يمسحها ويطيبها ." ويقول اشعيا النبي :" ويزيل الموت على الدوام ويمسح السيد الرب الدموع عن جميع الوجوه..."( اشعيا 25: 8 )، لقد صار كل ما في الحياة الابدية جديدا مفرحا ومبهجا للجميع . الرب يسوع المسيح اعطانا هذا الباب الضيق من خلال الصليب :" وكما رفع موسى الحية في البرية فكذلك يجب ان يرفع ابن الانسان لتكون به الحياة الابدية لكل من يؤمن . فإن الله أحب العالم حتى إنه جاد بابنه الوحيد لكي لايهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الابدية ."( يوحنا 3: 14- 16 )، هنا يريد ان يبين لنا الانجيلي يوحنا قصة سقوط الانسان بدأت بالحية التي استطاعت ان تسرب الخطيئة للانسان. وقد افلح الناموس على يد موسى (عدد 21: 7 ) ان يصور بالرمز الخلاص المزمع ان يتم للانسان من الخطيئة التي هي من صنع الحية ، فأقام موسى بمشورة الله تمثال حية نحاسية وأقامها على عود من الخشب عاليا في وسط الشعب ، وأمر ان كل من تلدغه حية ، عليه ان ينظر الى الحية بإيمان فيشفى . هكذا اختار الله ان تكون الحية النحاسية هي رمز المسيح الذي أخذ خطيئة الانسان ككل في جسده ومات بها فقتل الخطيئة بالجسد وبقيامته أعطانا الصليب والحياة: "وهو الذي حمل خطايانا في جسده على الخشبة لكي نموت عن خطايانا فنحيا للبر ."( 1بطرس24:2). فكم بالحري مثيلتها ان يرفع ابن الانسان ليكون منظرا للناس ميتا على خشبة ، حتى كل من ينظر ويؤمن ، ينجو من الهلاك الابدي ويأخذ نصيبا في الحياة الابدية . بعد القيامة اعطى الرب يسوع المسيح التلاميذ الروح القدس بالنفخة ، تماما كما نفخ الله الخالق في جُبله الانسان لما خلقه فصار ادم نفسا حية . ففي نفخة القيامة هذه صار الانسان خليقة حية تتنفس بالروح القدس لحياة ابدية :" قال هذا ونفخ فيهم وقال لهم : خذوا الروح القدس . ( يوحنا 20: 22 ) ، وهذه المرة الاولى والوحيدة التي ترد " نفخ " في العهد الجديد . وهي تفيد في العهد القديم أنه " نفخ الحياة" ، وهي خاصة بالله وحده :"وجبل الرب الاله الانسان ترابا من الارض ونفخ في أنفه نسمة حياة ، فصار الانسان نفسا حية .( تكوين 2: 7 ) وكما خلق الله الانسان في البداية على صورته ، هكذا خلقه المسيح بعد القيامة بالروح القدس على صورة خالقه في البر وقداسة الحق (افسس 4: 24 ) ، وواضح غاية الوضوح أنها < إعادة خلقة > على مستوى الروح القدس لاعطاء الحياة الابدية . المسيح لا يُلزم أحدا باتباعه ولا يُلزم أحدا ان يموت ، إلا ان في اتباعه خطواته الدامية خلاصا . وكأنه يقول من اراد ان يموت معي يخلص وله الحياة الابدية ، ومن لم يُرد ان يموت معي لايخلص . فالذي أمات ذاته بالارادة فقد صلبها ، فإن يُنكر الانسان ذاته ويحمل صليبه تابعا خطواتي يخلص . العالم فيه الغرائز والشهوات والمسرات ، مديح وكرامة وجنات وافراح واموال ، فانه يكسب بهجة الحياة الارضية الزائلة ونهايتها الى القبر والفناء . فماذا يكون قد ربح الانسان العاقل في مشوار ينتهي بلا شيء ، بل يخسر فيه نفسه المعينة للحياة الابدية ؟ ولهذا ان الذي أَمَّن على حياته اولا عند المسيح وصار مواطنا سماويا ، فهذه الامور كلها – أي متعلقات العالم والجسد وحياة الارض – لايحرم منها ، إلا انه لايدعها تحرمه من حياته الابدية وعلاقته مع المسيح :" من حفظ حياته يفقدها ، ومن فقد حياته سبيلي يحفظها ." ( متى10: 39 ) .  لابد ان نسلم النفس هنا للمسيح لتعبر معه مضيق الموت لتقوم معه ببهاء وجمال لميراث الحياة الابدية معه أيضا ،لان لحياة الدنيا ليست سوى مقدمة للحياة الابدية : " ثم قال يسوع لتلاميذه : من أراد أن يتبعني ، فليزهــد في نفسه ويحمل صليبه ويتبعني ، لان الذي يريد ان يخلص حياته يفقدها ، وأما الذي يفقدُ حياته في سبيلي فإنه يجدها . ماذا ينفع الانسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه ؟وماذا يعطي الانسان بدلا لنفسه "( متى 16: 24 – 26). الرب يسوع المسيح يهتم بالحياة الداخلية للانسان ، النفس التي تحتاج لمن يعلمها أولا ، فالذي يسمع للمسيح ويقبل تعليمه يبدأيعمل به ويكون عملـه قويا متينا كإنسان بنى على صخر ونهايتـه الحياة الابدية ، والذي لم يستمع للمسيح ولم يحفظ تعليمه فهو يبني على رمل ، والأردأ هو من يسمع التعليم ولا يعمل به ثم يعمل من نفسه فهو يبني بلا أساس فتأتي السيول وتجرفه وينتهي الى الخراب .